
التسويق فطرة قبل أن يكون علماً
في حديث مع المستشار عبد الله بن علي حول سيكولوجيا التسويق
في عالم أصبح التسويق فيه مرتبطاً بالأدوات الرقمية والمنصات والإعلانات، يطرح المستشار في التسويق وتطوير الأعمال عبد الله رؤية مختلفة تماماً:
التسويق في جوهره ليس أدوات… بل فهم للإنسان.
في هذا الحديث الممتد، يتحدث عبد الله عن سيكولوجيا التسويق، وعن أخطاء الشركات في فهم السوق، وعن فكرة مثيرة:
التسويق يولد مع الإنسان قبل أن يتعلمه.
التسويق يبدأ من الإنسان
حين سألناه عن المدخل الحقيقي لفهم التسويق، لم يتحدث عبد الله عن الحملات الإعلانية أو المنصات الرقمية، بل بدأ من نقطة مختلفة تماماً.
يقول:
أرى أن أصل التسويق هو علم النفس.
فالتسويق في حقيقته لا يتعلق بالمنتجات بقدر ما يتعلق بالإنسان: دوافعه، رغباته، وطريقة اتخاذه للقرار.
ويضيف أن المسوق الناجح ينبغي أن يكون أقرب إلى عالم نفس منه إلى مجرد مدير حملات.
أعتقد أن مدير التسويق الناجح من الأفضل أن تكون خلفيته في علم النفس أو علم الاجتماع، ثم يؤهل بعد ذلك إدارياً. لأن التسويق في النهاية هو فهم الإنسان قبل إدارة السوق.
المشكلة: التسويق تحول إلى مجرد نشر
لكن المشكلة التي يراها عبد الله اليوم في كثير من الشركات أن مفهوم التسويق اختُزل في شيء واحد فقط: النشر.
يقول:
كثير من أصحاب الأعمال يعتقدون أن التسويق يعني أن ننشر في المنصات أو نعلن عن المنتج.
بينما الحقيقة أن النشر مجرد أداة، وليس التسويق نفسه.
التسويق الحقيقي، في رأيه، يبدأ قبل ذلك بكثير.
التسويق يبدأ بدراسة السوق، وفهم المنتج من زاوية القيمة، وربطه بالشريحة المستهدفة، وفهم أصحاب المصلحة وتوقعاتهم. بعد ذلك فقط يأتي النشر كمرحلة تنفيذ.
كيف يرى المسوق المنتج؟
يشير عبد الله إلى نقطة مهمة كثيراً ما تغيب عن الشركات:
الفرق بين الرؤية التصنيعية للمنتج والرؤية التسويقية له.
فالمصنع يرى المنتج كمواصفات ومواد وجودة تصنيع.
أما المسوق فيراه كحل لمشكلة إنسانية.
يقول:
المسوق لا يقدم المنتج كما هو، بل يربط بين القيمة التي يحملها المنتج والحاجة التي يشعر بها العميل، ثم يثير الدافعية للشراء.
ويلخص هذه العملية بمعادلة بسيطة:
القيمة >> الحاجة >> الدافعية
البداية دائماً بالاستماع
لكن كيف يمكن الوصول إلى هذه الصياغة المؤثرة؟
يجيب عبد الله ببساطة:
البداية دائماً تكون بالاستماع إلى العميل.
فبدلاً من أن يبدأ المسوق بعرض المنتج، يبدأ بمحاولة فهم ما يريده العميل فعلاً.
أنا أستمع أولاً، أحاول أن أفهم ماذا يريد العميل، وما المشكلة التي يحاول حلها. ثم أعرض المنتج بالعبارة التي تجعله يشعر أن هذا المنتج صُمم خصيصاً له.
هل يعرف العميل ما يريد؟
هنا يطرح عبد الله ملاحظة ميدانية مهمة:
في كثير من الحالات، العميل لا يعرف ما يريد فعلاً.
أحياناً يعرف جزئياً لكنه لا يستطيع التعبير عنه.
وفي حالات كثيرة يكون ببساطة مقلداً لما يراه حوله.
كثير من الناس يشترون لأن الآخرين يشترون. التقليد عامل قوي في السلوك الشرائي.
لماذا يشتري الناس؟
وحين سألناه عن الدافع الأقوى وراء الشراء، كان جوابه واضحاً:
الدافع الأقوى هو الرغبة في الكسب.
لكن هذه الرغبة لا تظهر دائماً في شكل مباشر، بل تتجلى في صور متعددة مثل:
* حب التملك.
* المتعة.
* التقليد.
* الترفيه.
فالإنسان بطبيعته يميل إلى ما يمنحه إحساساً بالمتعة أو الامتلاك أو الانتماء.
بين القرار العاطفي والعقلاني
ومع ذلك، لا تتخذ كل القرارات الشرائية بالطريقة نفسها.
يشير عبد الله إلى فرق واضح بين القطاعات المختلفة.
في القطاع الصناعي غالباً يكون القرار عقلانياً لأن المخاطرة المالية كبيرة.
أما في القطاع التجاري والخدمي فالقرار غالباً يكون عاطفياً.
كيف تُبنى استراتيجية المحتوى؟
وعندما انتقل الحديث إلى المحتوى التسويقي، كان أول ما شدد عليه عبد الله هو نقطة أساسية:
لا أبدأ بالمحتوى… بل أبدأ بالهدف.
فبدلاً من السؤال المعتاد: ماذا ننشر؟
يبدأ بالسؤال الأهم: لماذا ننشر؟
بعد تحديد الهدف تبدأ سلسلة من الخطوات المنظمة:
1. تحليل السوق والمنتج وأصحاب المصلحة.
2. تحديد الهدف التسويقي.
3. اختيار المنصة المناسبة.
4. بناء المحتوى.
5. مراجعة المحتوى.
6. تصميمه وإخراجه.
7. تحديد الوقت المناسب للنشر.
كيف نقيس نجاح المحتوى؟
يعتمد عبد الله على ثلاثة مؤشرات رئيسية:
* تحقيق الهدف.
* تحقيق الإيرادات.
* تحقيق التفاعل.
هذه المؤشرات الثلاثة تعطي – في رأيه – صورة متوازنة عن أثر المحتوى.
التسويق يولد مع الإنسان
لكن الفكرة الأكثر إثارة في حديثه كانت رؤيته لطبيعة التسويق نفسه.
يقول:
أرى أن التسويق يولد مع الإنسان ولا يكتسب بالكامل.
فبعض الناس لديهم قدرة فطرية على:
* فهم الناس.
* قراءة دوافعهم.
* التأثير فيهم.
أما كثير من حالات التعلم فهي – في رأيه – تقليد لما تعلمه الإنسان من الآخرين.
نحو سيكولوجيا تسويق عربية
وفي ختام الحديث طرح عبد الله فكرة لافتة:
الحاجة إلى بناء منهجية تسويق تنطلق من فهم الإنسان أولاً.
بدلاً من أن يبدأ تعليم التسويق بالأدوات والمنصات، يبدأ بفهم:
* النفس البشرية.
* السلوك الاجتماعي.
* الدوافع الإنسانية.
ثم تُترجم هذه المعرفة إلى منهجيات عملية في السوق.
فكما يقول:
إذا فهمنا الإنسان جيداً… فهمنا السوق